alexa

حي الأندلس بتارودانت: خطوات ثابتة نحو مشروع الحي الثقافي الأول بالمدينة


بقلم: عبد الحنين برهي

يعتبر الخروج القسري عن العادة، و محاولة مراجعة الذات من حسنات فترة الحجر الصحي الأخيرة سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى التجمعات السكانية. و على هذا الأساس بادر سكان حي الأندلس و شباب جمعية الحي بمدينة تارودانت إلى تنظيم حملة نظافة، و إعادة صباغة جدران الحي و تزيين فضائه بأصص و نباتات، حيث بُعِث إلى الوجود إحساس جمعي مشترك لساكنة الحي بمدى أهمية استحضار البعد الجمالي للحي في ظل الإعتياد على تردي صورته و شكله كما جاء على لسان الاخ شكيب الرغني رئيس جمعية شباب الأندلس و الممثل الرسمي للمبادرة.

قال الفنان التشكيلي الروسي فاسيلي كاندينسكي : ” الألوان هي القوة الوحيدة التي يمكنها التأثير مباشرة على الروح”. فمباشرة بعد حملة النظافة و التزيين، و انطلاقا من الإرادة الجمعية لساكنة حي الأندلس برزت إلى الوجود فكرة إنشاء أول حي ثقافي في مدينة تارودانت. بادرة تستحق كل التنويه و التشجيع خصوصا في ظل ما تعرفه المدينة من تفشي ظواهر اجتماعية دخيلة كالعنف، انتشار المخدرات بين القاصرين و كذلك تراجع او اختفاء مجموعة من الأنشطة الثقافية المرتبطة بهوية و تاريخ المدينة كليلة البركة، تامصريت، الإستعراض، ‘المعروف’ و لائحة طويلة من الأنشطة المأسوف عليها. هذا بالإضافة للعشوائية التي يعرفها القطاع الثقافي بالمدينة في غياب هيكلة واضحة، و الاقتصار غالبا على أنشطة و مناسبات قصيرة الأمد دون الخوض في مشاريع على المستوى البعيد تعنى بدعم مبادرات و مشاركة الساكنة، برد الإعتبار للموروث الثقافي للمدينة و بترسيخ سياسة حقوقية تتيح الفرصة لجل فئات المدينة للإستفادة من حقوقها الثقافية.

من خلال كل ما سبق و انطلاقا من كون الثقافة قناة لنقل القيم و تفعيلها، ساتطرق خلال هذا المقال أولا إلى مفاهيم الثقافة، الأنشطة الثقافية، و الحي الثقافي. ثم سأسرد مجموعة من الأنشطة المراد إنجازها ضمن مشروع أو مبادرة الحي الثقافي بدرب الأندلس. بعد ذلك سأتطرق لأهم الأهداف المتوخاة من هذه المبادرة. و اخيرا سأخرج بمجموعات من الرسائل و التوصيات للمسؤولين، للجمعيات و كذلك للرأي العام الروداني بخصوص استغلال شرارة هذه المبادرة لاندلاع نار تغيير نحو مجتمع حقوقي و ثقافي منشود، و نحو خلق أحياء تليق بالساكنة الرودانية.

تعتبر الثقافة من بين المفردات الإنسانية التي لها تعريفات كثيرة متعددة. لذلك سأسقتصر في هذا المقال أولا على تعريف العالم الانثربولوجي Taylor الذي جاء فيه:
” الثقافة هي نظام متكامل يشتمل على كلٍّ من المعرفة، والفن، والقانون، والعادات والتقاليد، والأخلاق، وغيرها من الأمور التي يكتسبها الإنسان”. ثم على التعريف المعتمد من طرف منظمة UNESCO حيث تعرف الثقافة على أنها “جميع السمات الروحية، المادية الفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا أو مجموعة اجتماعية. بالإضافة إلى الفنون، العلوم، أنماط الحياة والقوانين ونظم القيم والتقاليد”. من خلال ما سبق يمكننا تحديد مفهوم الثقافة في نظام يؤطر العلاقات الاجتماعية بين افراد المجتمع الواحد، يضمن انتقال المعرفة، المنظومة القيمية، و العادات و التقاليد إلى الأجيال القادمة، و يميز كل مجموعة بشرية عن غيرها.

أما بخصوص مفهوم الأنشطة الثقافية باعتبارها أعمدة أساسية ضمن مشروع “حي الأندلس الثقافي” فيمكن وصفها بكل نشاط يستهدف الخلق، الإنتاج، التوزيع، و الاستهلاك في ميادين المسرح، الموسيقى، الرقص، الفن التشكيلي و باقي الأنشطة ذات البعد الثقافي التي ترنو بالأساس من جهة إلى تطوير ملكة التعبير و استقلالية الرأي لدى الأفراد، و من جهة أخرى إلى خلق مجال للتواصل و للإلتقاء على مستوى المجتمع.
و بعد حواري مع الاخ شكيب رئيس جمعية شباب الأندلس، بدا جليا إرادة الجمعية في خلق و تنظيم انشطة ثقافية كمكتبة الحي، متحف، روض إيكولوجي و سينما كنقطة بداية في هذا المشروع الطموح لتوفير أجواء ثقافية في محيط ساكنة الحي خصوصا للشباب و الأطفال، و كذلك كنقطة تواصل مع أحياء و جمعيات من خارج الحي لتبادل التجارب و الخبرات.

كما تسعى جمعية شباب الأندلس إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من خلا هذه المبادرة كما جاء على لسان رئيسها:

– منح المجال و الفرصة لمواهب الحي في عرض أو تطوير مواهبهم.
– ترسيخ و تنمية فخر الإنتماء- سواء إلى الحي أو إلى المدينة- لدى ساكنة الحي.
– تشجيع و تأطير روح المشاركة لدى ساكنة الحي.
– خلق فضاء ذو قيمة جمالية، معرفية و فنية.
– استمالة التطوع لدى الساكنة.
– تحسين ظروف العيش المشترك بين سكان الحي.

سيكون من الجميل رؤية انتشار هذه البادرة بأهدافها النبيلة في أحياء أخرى من مدينة تارودانت خصوصا في ظل غياب سياسية ثقافية و اجتماعية واضحة تعنى بتنمية رفاهية الأحياء و الفضاءات العامة. فيمكن تشبيه المبادرات الثقافية الحالية بشجرة ذات اغصان قصيرة تستظل بها فئة معينة، حيث لا يبلغ هذا الظل البقية. أنشطة ثقافية و مشاريع سطحية او موسمية تقصي ماسح الأحذية، دافع العربة، العاملة في الضيعات الفلاحية و باقي فئات المجتمع المقصية. و سيكون من الأجمل التشجيع و الاستثمار في هذه المبادرة كونها تلغي الحواجز امام مشاركة، تتيح إمكانية استفادة هذه الفئات من حقوقها الثقافية، و تضمن كذلك ترسيخ مفاهيم القيم، العادات، التقاليد و الهوية لدى سكان الأحياء و بالتالي لدى المجتمع الروداني بصفة عامة.

هذه السيرة المتراكمة من الخيبات و من الاقتصار على الجانب المظاهري من الأنشطة الثقافية تستدعي إعادة النظر في نصيب المواطن الروداني من حقوقه الثقافية، و في مدى التوزيع الديموقراطي للمنتوج الثقافي بين فئات المجتمع الروداني. لذلك اعتمدت في آخر هذا المقال صياغة مجموعة من التوصيات و النصائح من منطلق ثقافة النقد البناء بعيدا عن الشخصنة و اتهامات تطيل مضجعنا في بِرَك الماضي، و بعيدا كذلك عن مستنقعات الصور النمطية المنسوبة للميدان الثقافي و التي يمكن تلخيصها في كون الأنشطة الثقافية ذات قيمة ثانوية، و لا تلعب دورا مهما في تقدم المجتمعات.

أولا سأتوجه برسالة إلى المسؤولين لخلق، دعم و احتضان جمعيات الأحياء و جعلها أرضيات جاهزة لزرع مشاريع ذات أبعاد سوسيوثقافية أولا لترسيخ قيم التكافل الإجتماعي و الجوار التي بدأت في السنوات الأخيرة تعرف تدهورا و تراجعا، ثم لتسهيل تنزيل سياسات و مشاريع في إطار ديموقراطي تشاركي مع ساكنة المدينة. كما أدعوهم لضرورة توفير دور شباب أو مقرات بهذه الأحياء تسمح بتنظيم انشطة متنوعة يستفيد منها سكان الأحياء.

ثانيا أدعو جمعيات المجتمع المدني بجميع اختصاصاتها ربط شراكات مع جمعيات الأحياء قصد التأطير و تبادل الخبرات فيما يتعلق بتنظيم و تأطير الأنشطة أو كذلك بخصوص ترجمة مشاكل الحي إلى مطالب في محاولة لإيصالها للجهات المسؤولة.

ثالثا ادعو جميع مثقفي المدينة إلى الإنخراط و التطوع في مبادرات جمعيات الأحياء و مد يد العون، و إلى لعب دور المثقف العضوي المساهم في التغيير الإيجابي داخل البيئة التي يعيش فيها.

و أخيرا أدعو الرأي العام الروداني إلى التحلي بالإيجابية عند كل مبادرة جديدة من قبيل مبادرة حي الأندلس. فالمرحلة الحالية تتطلب منا دعم كل محاولة تقدم نحو الأمام بغض النظر عن موقفنا منها او من اصحابها. فما الذي استفدناه خلال عقود من النقد و التراشق غير تجييش الرأي العام إلى أقطاب يسهل استمالتها لأغراض سياسية و بالتالي إلى تجفيف دماء الإبداع و التجديد في مجتمعنا.

اترك رد