قضية الصحراء المغربية .. ماذا تريد الجارة الإسبانية من المغرب؟


لقد أحدث الاعتراف التاريخي للولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على الصحراء قنبلة على الصعيدين الدولي والإقليمي؛ وذلك لما أصبح لهذا القرار من تبعات جيو إستراتيجية كبرى على مسار هذا الملف الذي عمّر قرابة نصف قرن من الزمن.

هذا الملف الذي لم تنجح الأمم المتحدة، طوال هذه المدة الزمنية الطويلة، في إيجاد حل له يرضي الطرفين، المملكة المغربية وجبهة “البوليساريو”؛ نظرا إلى تدخل الجارة الجزائر المباشر في عرقلة أي مسار أو تقارب يمكن أن يحدث بين الطرفين المعنيين، حتى أصبحت الجزائر طرفا ثالثا ورئيسيا في قضية الصحراء من خلال إيواء جزء من السكان الصحراويين في جنوب المغرب، وتسليحهم والقيام بعملية غسل دماغ الأطفال والشباب، وتوجيههم، والدفع بهم إلى حمل السلاح في وجوه إخوانهم ووطنهم الأم.

كان قادة الجارة الجزائر يبحثون، من وراء دفع السكان الصحراويين إلى المطالبة بالانفصال عن وطنهم، عن كيفية إضعاف المملكة المغربية ومحاولة تطويقها، وعزلها عن عمقها الإفريقي، وبالتالي النفاذ إلى المحيط الأطلسي، حتى لا يبقى المغرب البلد العربي والإفريقي الوحيد الذي يتوفر على واجهتين إستراتيجيتين: المتوسط والأطلسي.

قبل ذلك كان المغرب قد عانى تحت ضغط الإمبريالية الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر من انفتاح قسري على أراضيه أمام الاختراق الأجنبي، وأدى ثمنا باهظا لما قامت به الإمبريالية الأوروبية من غزو وسياسة توسعية، ابتداء من نهاية القرن التاسع وبداية القرن العشرين، حيث كانت الأطماع الفرنسية والإسبانية قد اقتسمتا فيما بينهما “الكعكة” المغربية من خلال تقطيع التراب المغربي إلى ثلاثة أجزاء: جزء لفرنسا في الوسط وجزآن لإسبانيا في شماله وجنوبه.

كما قامت فرنسا بتغيير خارطته الأصلية واقتطاع مناطق كاملة من ترابه لفائدة مستعمرتها في الجزائر. وفي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، حصل المغرب على استقلاله من فرنسا وإسبانيا؛ لكن جنوبه ظل يرزح تحت الاستعمار الإسباني إلى غاية 1975، حيث انسحبت إسبانيا من المناطق الجنوبية، واسترجع المغرب ميدانيا صحراءه التي كانت قد سلبت منه في نهاية القرن التاسع عشر بسبب الأطماع التوسعية الأوروبية، وخصوصا منها الإسبانية. وضع هذا الملف بين يدي مجلس الأمن في انتظار إيجاد صيغة قانونية تمنح السكان المحليين حق تقرير المصير، أو الاندماج في المملكة المغربية.

لكن عندما شرعت الأمم المتحدة، عبر بعثتها المينورسو، في عملية إحصاء السكان، سواء في مخيمات تندوف بالجزائر أو في الأراضي الصحراوية بالمغرب، تبين بالملموس وعلى أرض الواقع استحالة إجراء أي إحصاء شامل للسكان الصحراويين ذوي الحقوق، بناء على لوائح الإحصاء التي كانت قد تركها الاحتلال الإسباني؛ بسبب التحولات الديمغرافية التي طرأت على النسيج السكاني، وكذلك بسبب عملية إغراق سكان المخيمات بالعديد من الأفراد والمجموعات المرتزقة، النازحين من دول الساحل وجنوب الصحراء.

من جهة أخرى، كان لتدخل الدول المجاورة كجزائر الجنرالات، وليبيا “الزعيم” معمر القذافي في هذا الصراع، الأولى كطرف منذ البداية، والثانية، خلال السنوات الأولى، أثر سلبي كبير على مسار التسوية الذي كانت تشتغل عليه الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

لكن منذ قيام المغرب بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية سنة 2006، صار المغرب تدريجيا في موقع قوة؛ لما اتسمت به تلك المبادرة من واقعية وجدية، كما جاء على لسان العديد من الدول، حيث يمكنها في الوقت نفسه أن تحفظ للمغرب حقوقه التاريخية المشروعة على أراضيه الجنوبية المغتصبة. كما تحفظ أيضا لسكان مخيمات تندوف ماء الوجه، وتنهي مآسيهم، وتضع حدا لاستغلالهم اللاإنساني من طرف النظام العسكري للجزائر.

خلال كل هذه المدة الزمنية التي امتدت على طول خمس وأربعين سنة، كانت إسبانيا في بداية الأمر، بصفتها دولة استعمارية سابقة، تساند الأطروحة الانفصالية وتبرر ذلك، حكومة وشعبا، انطلاقا من “مسؤوليتها التاريخية” إزاء مستعمرتها السابقة، وإزاء السكان الصحراويين، الذين لم يكن يتعدى عددهم بضع عشرات الآلاف. كما لو كانت الصحراء أرض خالية غير مرتبطة بالمغرب، وكما لو أنه لم يثبت تاريخيا أن شيوخها كانوا يجددون البيعة لمختلف السلاطين المغاربة.

مع مرور الزمن، وعند وصول الحزب الاشتراكي إلى قيادة الحكومة الإسبانية في شخص فيليبي كونثاليث سنة 1982، أصبحت الحكومة الاشتراكية تتفهم شيئا ما مطالب وسعي المغرب إلى استكمال وحدته الترابية؛ لكن مع مجيء الحكومة اليمينية، تحت رئاسة خوصي مريا أثنار، عادت العلاقات الثنائية بين البلدين إلى التشنج من جديد. فلم يكن حادث جزيرة ليلى سوى النقطة التي أفاضت الكأس. ثم عاد الاشتراكيون إلى الحكم في 2004 على إثر أحداث مارس الإرهابية بمدريد في السنة نفسها؛ لكن سرعان ما عصفت بهم الأزمة المالية لسنة 2007، ليعود بعد ذلك الحزب الشعبي إلى الحكومة إلى غاية 2018، ثم يعود الحزب الاشتراكي بفضل تحالفه مع حزب “بوديموس” إلى قيادة الحكومة الحالية.

على امتداد كل هذه الفترة الزمنية، لم تكن إسبانيا راضية على استكمال المغرب وحدته الترابية ودفاعه المستميث عن سيادته على صحرائه التي كانت قد انتزعت منه في إطار الحملة التوسعية التي كانت إسبانيا قد حشدت لها جواسيس وجنودا، ابتداء من نهاية القرن التاسع وبداية القرن العشرين.

يكفي هنا الإشارة إلى مجموعة من الصحافيين الجواسيس الذين كانوا قد جاؤوا إلى المغرب للقيام باستكشاف للصحراء المغربية، حيث قطع أحدهم (خوليو ثيربيرا بابييرا) أكثر من ألف كيلومتر من أجل جمع المعلومات العلمية (الجغرافية والطبيعية)؛ بهدف توقيع معاهدات تجارية مع العاهل المغربي آنذاك، وإنشاء مصانع للثروات السمكية، ستصبح في ما بعد وسيلة للمطالبة بحقوق مفتعلة لإسبانيا داخل منطقة واد الذهب، وبالتالي تحويلها إلى حماية يتم استغلال الملاحات الموجودة فيها وتحويل الواحات الصحراوية إلى مستعمرات فلاحية.

أصبحت إسبانيا في الألفية الثالثة الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، متجاوزة لأول مرة فرنسا، الشريك التقليدي للمغرب. وصارت الجالية المغربية في إسبانيا أول جالية إفريقية من حيث العدد. وأصبح التعاون والتنسيق بين البلدين في مجال الأمن والإرهاب والهجرة السرية ومحاربة المخدرات وتبييض الأموال قويا واستثنائيا، أمام الأخطار الأمنية المحدقة التي صارت تهدد استقرار المنطقتين؛ لكن كل هذا لم يشفع للبلدين الجارين اللذين تجمعهما روابط في مختلف المجالات أكبر بكثير مما يفرقهما.

لم يشفع لإسبانيا، هذا البلد الذي يحبه ويعجب به المغاربة، أن تتخلى عن توجسها من الجار الجنوبي، وتصحح عددا من الأحكام الجاهزة حول المغرب والمغاربة. واستمرت المملكة المغربية في التعرض للابتزاز الاقتصادي والتجاري والسياسي نزولا عند رغبة الرأي العام والسياسيين الإسبان. فصار هذا الابتزاز يأخذ أشكالا متعددة: محاصرة المنتوجات الفلاحية، تنديد بإستراتيجية المغرب وسياسته التجارية في مدن الشمال القريبة من سبتة ومليلية، تأكيد على “حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير” على لسان نائب رئيس الحكومة، قبل انعقاد اجتماع القمة الثنائية بين البلدين، استدعاء للسفيرة المغربية عقب تصريح رئيس الحكومة المغربية حول مدينتي سبتة ومليلية السليبتين.

أمثلة تظهر بجلاء عدم وضوح مواقف الحكومات الإسبانية من قضايا المغرب المصيرية، بل واستغلال بليد للظروف المناسبة في محاولة يائسة “لتقطير الشمع” على المغرب عوض الوقوف بجانبه في هذا الظرف بالذات. أعتقد أن قوة الجار الجنوبي هو، بدون شك، مصدر قوة للجار الشمالي، وليس العكس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*