الكاتب المغربي المبدع “عادل آيت أزكاغ” جعل من “قصة حياتي لشارلي شابن” دراسة أدبية نقدية سبرها بعمق


أخبار7/

عبد الرحيم الصالحي.

أَسْفَرَ ضوءُ صُبْحِ الأسطورة “تشارلي تشابلن”- (Sir Charles Spencer Chaplin)، في (16 من أبريل 1889)، ثُمّ غادر دنيانا راحلاً إلى الحياة الأخرى في (25 من ديسمبر 1977)؛ إنّ هذين التاريخين – الميلاد والوفاة-، هما حدثان خاصّان غير عاديين بالمرّة، على عكس ما قد يخال البعض منّا، إذ كُلّما حلّ أحدهما في ذات يومه وشهره من كلّ سنة، إلاّ وتجدّد الاِحتفال المتنوّع بهذا الفنان متعدّد الوجوه والحديث عن عالمه وشخصيّة الاِستثنائيّة. وبعد عقود من الزمن ما فتئت إبداعاته وفنونه ‏الدرامية الكوميدية تستميل عدداً من الباحثين والنُّقّاد والمُبدعين عبر العالم، لقد ترسّخت عميقاً بصمته المتنقلة بين ‏جيل وآخر وتخلّدت حقًّا، فمن كان يظنّ استمرار مواقفه المشبعة بالكوميديا والسخرية بين الأجيال، سيراها لا تزال تحقق ‏غايتها في الضّحك ولو في زمن التكنولوجيا والعولمة الثقافية التي باعت بالرّخيص كل شيءٍ معنويّ مُهِمٍّ وجادّ في ‏حياتنا.

 

‏”قصّةُ حياتي” عنوانُ مذكّراتِ شارلي شابلن، أو سيرةُ حياتهِ – على الأرجح- التي كتبها بنفسه عن نفسه سرديةً ذاتيةً، تناثر صداها ثم تدفق بُعدها الأدبي والفني والفلسفي والجمالي وتُرجمت إلى لغات متعددة، دون أن تتأثر ‏بالزمن الذي حماها واحتضنها كما تحمي الأم المُخلصة رضيعها؛ طبعاً، فإذا كان الفن النبيل يُلهم الفن الجميل، فإنّ هذا هو حال ‏الناقد والكاتب المغربي عادل أيت أزكاغ، اليوم، الذي تأثر بالجيّد في الفنّ وبما هو شيّق في الأدب والإبداع بدوره كما باقي الكتاب ذوي الحسّ المرهف ‏والمرجعية المسرحية الفنية التي تشبّع بها في فترة الجامعة، وجعلته ينهل من منبع الكوميديا ليس تجسيداً ‏هذه المرة، لكن من زاوية النقد التي انطلق منها بالأحرى منطقةً أخرى تتجه نحو تقديم قراءة مختلفة ورؤية جديدة لهذا الفنان العالمي المُلهم، وإلى تغيير صفته المألوفة عنه من ممثل كوميدي معروف إلى مبدع أدبيّ بارع.

هذه إذن، هي الصورة الأدبيّة التي أصبح عليها “شارلي ‏شابلن” مع “عادل آيت أزكاغ”، الذي سعى إلى التدليل عليها وكشفها للناس من خلال كتابه المعنون ب: «الضّحِك في تجربة ‘قصة حياتي’ لشارلي شابلن؛ تقديم: د. شاكر عبد الحميد»، الصادر عن منشورات دار ‏”العين” للفن والإبداع بالقاهرة، 2020. وقد اقترن هذا الإبداع النقدي بجائحة كورونا التي لم توفه حقه ‏إعلامياً، ووأدت مجموعة من البرامج والحلقات الفكرية للنقاش حوله، لكننا نطمح من خلال موقعنا – أخبار7– إلى إطلاع قُرّائنا على كل جديد مثله، وإلى ‏إعادة كل ما هو جميل إلى الحياة الثقافية والإبداعية المغربية ضدا في الجائحة.‏

في ظلّ هذا الإطار، وبهذه المناسبة الحالية، صدر مُؤخراً عن مجلة “إبداع” المصريّة في عددها 17- ديسمبر (2020)، مقال نقدي حواري (مُعزّز برسوماتٍ مُلحقة مهمّة للسّوداني صالح المرّ) جرى بين الأستاذ والكاتب المبدع عادل آيت أزكاغ ‏والكاتبة الصّحفية المصرية المبدعة مُنى أبو النصر تزامناً مع الذكرى 43 لرحيل “شابلن”، والتي رأت في تجربة عادل أيت أزكاغ في دراسته الأدبية النقدية «نظرة مُغايرة بعيدة عن النمطية لشارلي شابلن، الذي يصفه بالملك الأبرز بين ملوك ‏الكوميديا الكونية عبر تاريخها»، لتُعزّز أبو النصر بمبادرتها مكانة المولود الأدبي الجديد، وما حظي به من نقاش راقٍ ‏في الأوساط الثقافية بالعالم العربي.‏ أمّا من جهتنا فقد دعتنا مجموعة من الأمور إلى مواكبة هذا الحوار بقراءته ومحاولة تقديم خلاصة عنه عبر خطّنا كلماتِ هذه المراجعة؛ لعلّ أهمّها، فضلاً عن طلب الإفادة منه وتعميمها، تلك الأشياء التي تُلامس فيه كالمثابرة والاجتهاد والجِدّة واليقين، وبالنظر أيضًا إلى أنّ طريقة معالجة الموضوع فيه، تتّسم في تصوّرنا، بنوع من المخالفة لما هو سائد مِمّا يُكتبُ عادةً ويُقال ويُسمعُ كذلك عن العملاق الفكاهي البريطاني الضّاحك السّاخر شارلي شابلن.

عرّف شابلن نفسه في سيرته قائلا: «أنا ما أنا فردٌ نسيجٌ وحده ومُختلف، خلفي كل ميراث الرغائب والحاجات السلفية، ‏مع كلّ الأحلام والرغبات والتجارب الشخصية التي أنا مُحصِّلتها». إنّه تعريفٌ يظهر في منتهى الإيجاز والفلسفة والعُمق، لشخصية ‏سلبت أجيالاً من جمهور المبدعين والعلماء والدّارسين والمُهتمّين بحياتها العجيبة وتجربتها المُدهشة المُثيرة فعلاً للحوار وللتفكير وللنقد والجدل معاً، وهو تعريف أرى في تعبيره تناغماً مع وصفه “بالكائن الكوني”، من طرف الناقد المُبدع عادل أيت أزكاغ الذي نظر إليه على ذلك النّحو – ببساطة- لأن ‏شارلي شابلن عنده: «صديق الجميع -كلّ الناس-، قبل أن يكون صديق الفنانين والعلماء والأدباء والشعراء ‏والنقاد والفلاسفة والسياسيين والأطفال العباقرة. منذ أن تحوّل إلى “شارلو”- شخصيّة الصّعلوك الطيّب الصّغير المتشرّد التي ابتكرها-، منذ ذلك الحين كان شابلن ما كان، وسرعان ما أصبح حاضراً في كل زمان ومكان إلى حدّ الآن على نمط يستحيل معه نسيانه»، حسب قول الناقد الكاتب.

 

سبر الناقد أغوار “قصّة حياتي” ومتح منها كل جميل خفيّ بين السّطور، وربط في حواره، علاقة “شابلن” ‏بالجمهور عن طريق الحب، باعتباره ملكة فطرية نقيّة وإحساساً عفيفاً لدى الإنسان، لا تخضع لمنطق العرض والطلب، ولا ‏يستطيع أحدٌ أنْ يحبّ أو يكره بإرادته، فهي ملكة تتعالى وتسمو فوق كل السّمات الإنسانية المتحكم في ‏طبيعة علاقاتها بين الأخذ والردّ. ‏فقديما قيل إنّ الحبّ لا يقابل إلا بالحبّ، فما بالك لو تشبّع الحب بالفنّ؟

ضمن هذا السياق يمكننا تبيّن أفق الإجابة عن هذا السؤال، إذا استتبعنا ربط الباحث والناقد آيت أزكاغ في تصوّره حبّ الناس لشابلن، بأنّه ثابت، لأسباب عامة ومخصوصة مُميّزة بادية وخافية في اللحظة عينها، من أهمّها وفق إشارته: «لأنه نشر نوع الضّحِك ‏الذي يحبّونه وأشاعه بينهم في عزّ أزمات الإحساس بالخوف جرّاء ويلات الحرب وتبعاتها الكارثية». كما أنّه قد رأى مُضيفاً إلى قوله بأنّ «الحوْم والعوْم حول محيط ‏هذا الحب لشابلن أسباب ودوافع.. كالرغبة الخفية -مثلاً- في تكريمه ضمنِيًّا وتشريفه والاعتراف بقيمته ‏وتفوُّقِه ونُبوغِه، دلالةً على اهتمامنا بشارلي واحتفالنا به»؛ هكذا صرّح الناقد والكاتب المغربي مثلما توسّم علامة الاِحتفال ورائحته ومنح أيضًا هنا، تكريماً رمزياً مُستحقاً، لشخصيّة عالمية وسمت التاريخ ‏فناً هادفاً، وأدباً جميلاً، وإبداعاً ممتعاً عميقاً وجذاباً، يتجلّى في الجاذبيّة ذاتها المجازية الكامنة في تلميح الناقد الموحي بها في وصفه لشابلن بأنّه: «مغناطيس ذو طاقة عجيبة خُرافية خلاّقة خارقة للمألوف جرّت إليه نفوس الصّغار والكبار».‏

إنّ الهالة الفريدة المُحيطة ب”شابلن”، المرسومة عنه بجميع الأقلام والألوان والفنون والأشكال، والمُحلّقة حوله بعيداً قيد حياته وفي مماته إلى الآن، دليل كافٍ على كاريزميته وسطوة شخصيته الفنّية وعلى تأثيره وعبقريّته الخلاّقة، التي أبرز لنا عادل آيت أزكاغ أحد ملامحها المُحدّدة في عمق إخلاصه لعمله وتفانيه فيه حد ‏الجنون؛ وقد أرجع الناقد ذلك إلى عوامل عدة، من بينها أنّ الفنّان شارلي يتبدّى في صورةِ مُبدعٍ حاذقٍ وسينمائيٍّ ماهر مُحترف، كان يجنحُ إلى الدّقة والإتقان في العمل، رغبةً في تحقيق النجاح السّاحق والوصول إلى قمّة الجمال والكمال، حيث اعتبر الباحث المغربي بكون الجمال ظاهرة إنسانيّة تشتغل هنا لدى شارلي شابلن في ذهنه «كخبرة ذوقيّة، وقيمة فنّية، وقضيّة إبداعية».. وهكذا – كما قال- فإنّ «الجمال الذي يمكن ملاحظته في إبداعاته هو ‏نفسه الموجود في مبدعها وصانعها»، فهو لا يتصنّع شيئاً، لأنّ فطرته انطبعت فناً وأدباً، شكلا معاً لوناً مختلفاً من الفكاهة النّوعية المنبثقة من كلماته المكتوبة في سيرته ومن كوميدياه الصّامتة ولغتها العابرة للقارات والإبداعات وللحدود والمشاعر. ‏

عالج كتاب “الضّحك في تجربة ‘قصّة حياتي’ لتشارلي شابلن”، شخصية ‘شابلن’ ارتباطاً بطفولته اليتيمة والصّعبة، المملوءة بالكفاح والصمود في وجه الحياة القاسية، ‏والمفعمة بكثير من الألم والمعاناة والتفاصيل الدرامية بدءًا بأمه وأسرته الفقيرة، مرورًا ببحثه عن الشغل وتقلده مهاماً ومهناً ‏عديدة لتحقيق الذات وجلب رغيف الحياة الأسود، الذي كان يتغذى على طموح جامح شربه من ثدي أمه العاشقة للمسرح؛ إنّه ‏طموح التمثيل والوقوف على الركح، الذي كان غذاء أوّل لم يكتمل عنده إلا بعد حين، لتنضج فكرته مع توالي الأيّام والأعوام إلى أن تتطوّر لصيقة بعبقريّته، التي ‏جزّأ الناقد عادل آيت أزكاغ كذلك بعض أسرارها المجهولة وصرنا نكتشفها معه، مُوزّعةً بين «”العين الثالثة” و”الموهبة المصقولة” ثم”التركيز في العمل” ثم “ملكة الخيال” ومن ثمّ “الطفولة المُستعادة بقوّة الإرادة وبالشّغف وصلابة العزيمة»، إضافة إلى سمات تميّز بها شابلن عن غيره من ‏المبدعين في زمانه، بوصفه كاتباً ومخرجاً وممثلاً وموسيقياً ومنتجاً لمعظم أعماله، فهذه التوليفة الشاملة الغريبة مجتمعة ‏في ذات وحيدة وموحدة لمواهبها، لئن تفوقت في زمننا على العبقرية المصبوغة بالتكنولوجيات الحديثة، لكنها تبقى مع ذلك عبقرية من الطراز الأوّل، الأكبر والأقوى، الذي لا ولن ‏تضاهيه هذه العبقرية الثانية ولو عُشراً.   ‏

ولعلّ من بين السمات التي ترسّخت في جوف الناقد لتعليل تعلّق الناس بشابلن السينمائي، كمبدع حقيقي- جميل، ومفضّل بالنسبة إليه، قوله المفيد والدّال في معناه، على تفرّد أناه الخاصّة بصفات مُحبّبة فيه، ويميل الآخرون، في عصره وما بعده، إلى تقديرها قِيماً إنسانيّةً أصيلةً معتبرةً في كلّ فضاء ووقت، كتميّزه: «‏‎بذكائِه الحاذق وفكرهِ الخارق، ‎روحه الأنيقة، نقده الفنّي، الفلسفي، المنطقي والعقلاني للتوحّش الرأسمالي ولهيمنة الاِسغلال السياسي ‎والاِقتصادي والآلي للإنسان، بُغضه للغباء والتفاهة، كرهه للطغيان، للظلم، للغطرسة، للديكتاتورية، ‎نضاله ضد الفاشية والعنصرية والقبح والحرب وإيديولوجيا التطرف السياسي والفكري، وميله على ‎النقيض من ذلك إلى الجمال والمعاني الأصيلة، وإلى تبنّي مواقف صلبة ومبادئ ثابتة تتوخىّ السير في ‎اتجاه الخير، زيادة على دفاعه المستميت عن القيم النبيلة والقضايا الإنسانية ‎العليا».‏

إنّ زخم الأفكار المتراكم حول “شابلن” لا ينفك ينتهي في ذلك الحوار، فقد كان من مواقف الناقد عادل أيت أزكاغ بصدده إفرازه مقارنة عقدها بين الفنان “شابلن” و‏القائد السياسي والزعيم الحربي “هتلر” باعتبارهما وُلِدا في نفس الشهر والسنة، فزكّى الأوّل من خلال عطائه الفيّاض، حيث رسم ملامح مليحة ‏للكوميديا والفكاهة التي وزّع بواسطتها السعادة على الناس، بينما وأد هتلر في الوقت نفسه الحياة في نفوس الجميع. إنّها مقارنة جعلت كلتا الشخصيتين رائداتين في مجالهما، لكن كل منهما ‏يعتز بسلاحه، وعسى النهاية المنفصلة لكل واحدة منهما أفصح دليل على مكانتهما في نفوس الجمهور، فأن تتملك جمهوراً ‏ينقاد وراءك بالملايين، فذلك يعطيك صورة كاملة عن منزلة الجمال المرموقة التي قلّما يعتلي قمّتها النّاسُ. فشتان – في الحقيقة- ما بين من يُبكي ‏الآخرين ويُدميهم، وبين من يشعلُ الفرحة قنديلاً يتسلّح به لشقّ دروب الحياة المُظلمة، أملاً في فتح كُوّة يسطعُ منها شُعاع النّور، ولمجابهة ظروف الواقع المُرّ، بحثاً عن رغيف أسود!

‏”قصّة حياتي” أكبر من كل هذا الذي سلف وذاك، ومحاولةُ الكاتبِ النّهل منها فيضٌ من غيض استلهمه بين ‏سطورها، وفي اعتقادنا المتواضع – السائر تبعاً للمُحاوِرة المصريّة منى أبو النصر-، فالناقد عادل آيت أزكاغ أسّس لرؤية جديدة في مقاربته شخصية عالمية وأحوطها منذ ‏الولادة حتى الممات، مؤسساً بذلك لنقد تأمّلي ذي أبعاد متشعّبة تعتمد تحليلاً علمِياً للكوميديا، من منظور آليات عمل الفكاهة وعلوم الضّحِك ومعانيه التي تلتقي فيه ‏بجماليات التلقي لحياكة منهج سلس ينطوي على كثير من التفاصيل.

فما أصعب أن تتخذ من عبقري فذ ‏مادة أدبية ونقدية تبحث فيها عن جِدة لم يُذكر طرقٌ مُختلف لبابِها! رهانٌ، غير سهلٍ كما يبدو، ها هو أوصلنا إلى ختام هذا المقال الذي يليق التذكير في نهايته، بأنّ في ثنايا ما تقدّم منه، معانٍ واضحة تُلمس، ودلالاتٍ غيرها فيها تأكيد طبعاً، على أنّ لكل واحد مِنّا رؤيتهُ وزاويةٌ يرى من خلالها الحياة، مُستعيناً ‏بما اكتسبه من تجارب فنية وأدبية وفكرية وجمالية بل وحتى إنسانية في كثير من الأحيان.‏

اترك رد