الأصول الإجتماعية للتفاهة


عبدالله الغمائد
أستاذ وطالب باحث في سلك الدكتوراه، مسلك القانون الدستوري والعلوم السياسية

ألف المفكر الكندي آلان دونو مؤخرا كتابا ملفتا للإهتمام وسمه ب ” بنظام التفاهة”، من خلاله يدافع الرجل على فكرة كون التفاهة إكتسحت العالم، وانتشرت بشكل كبير في كل مفاصل الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية، بل ذهب المفكر إلى القول بأنها إكتسحت حتى مجالات السلطة والقرار. ما الذي يعنينا نحن كمجتمع مغربي من هذا المؤلف المثير؟

    أعتقد أن أهمية هذا المؤلف اليوم تتجسد في كشف إواليات التفاهية ومآلاتها الخطيرة،  ومدى نعومتها، إذ حاول صاحب الكتاب أن يدق ناقوس الخطر بخصوص النتائج السلبية لتطور هذا النظام الجديد حيث يسري كسرطان في شرايين المجتمعات بشكل قد تستعصى معه كل محاولات التشخيص والعلاج، وإن كنا نؤمن بأننا ننتمي إلى الكوكب، فإننا كمجتمع مغربي لا نوجد خارج هذه الإطارات المنتجة للتفاهة.

لقد إستطاعت التفاهة حسب ذات المصدر أن تتوغل في السياسة والمجتمع والإقتصاد والدين والتجارة، بل وصلت إلى العلم كذلك. ترى ما أسباب توغلها  وتغولها في حياتنا الإجتماعيىة؟، وما الذي يغذي هذا النظام الشرس؟، ما مآلاته ونتائجه على الفرد والمجتمع والدولة؟، هل فعلا أصبحنا مجتمعا تافها بعد أن كنا مجتمعا عالقا؟

   في إعتقادي لاشيء يأتي فجأة، كل الأشياء كي تنمو وتتطور وتنتشر لابد لها من تربة ملائمة، وبيئة حاضنة، وجمهور يبارك ويشجع ويدافع. لذلك، فإن نظام التفاهة وجد في مجتمعنا المغربي جذوره ومحفزاته وآليات دعمه وتشكيلة ونجاحه، لقد وجد ذلك في الفراغ الذي تركه المثقف والحكيم والعالم والباحث والفقيه، وجد ضالته في المسخ الهوياتي التي نجح مهندسوا التفاهة في توطيده، وجد كذلك دعاماته في ضعف قطب الإعلام العمومي، وفي إضعاف المدرسة العمومية، وفي وتشويه صورة المعلم ورجل النظافة والعامل الشريف، وتسويق صورة عظيمة عن الفنان التافه، وعن البطل الوهمي، وعن المدرب الجليل…، ليصبح العطاء يقاس بالقشور والحشو والتشويش لا بالكيف والشرف والعلم.

    إن الذين يثرثرون كثيرا هم الأبطال الحقيقيون، فالمدربون والرقاة والدعاة المزيفون،  وصناع المحتوى الممسوخ وجدوا في التفاهة كل أشكال الدعم والنجاح، إنهم في الحقيقة يستثمرون في الجهل المقدس والمؤسس الذي توغل  بحدة في مجتمعنا؛ توغل في تلك الأمية التي أصبحث لقمة مستساغة لهؤلاء، وفي الفراغ  الذي يشكل في الحقيقة عبوة إجتماعية هادئة،  ففي كل هذه المناورات” اللخبطة”، تجرى العمليات القيسرية لاستئصال المعقول والعقل والقيم والأخلاق والعلم، لتحل محلها أدوات التسفيه والرفس والشتم والتمييع والتكفير والتتفيه، لتكون النتيجة هي ” تمريغ” صورة الأكاديمي والباحث في أوحال التفاهة.

     نختم بكون هذا العمليات تؤدي إلى تشويه منظومة القيم الإيجابية، وتسفيه التمثلات الإجتماعية حول الحياة والوطن والعلم والمصير، لتصير التفاهة نظام ورؤية ومعيار، بل حقيقة وثوقية مطلقة مقدسة، لتنجح هذه الإيديولوجية الجديدة في إفراغ البحث العلمي من مضمونه، وصارت السيادة للسخافة، ولم  يعد مهما أن يكون الشخص ملهما أو مبدعا أو جديا أو حتى وطنيا، بل يكفي حسب دونو أن يجيد إثقان التهريج وفنون التملق والإحتيال والتسفيه. نحتاج إذن إلى إعادة التفكير بشكل شمولي حول المداخل الأساسية لفك شفرة هذا النظام  الخبيث والذي لا محالة سيؤدي إلى تشويه معالم الهوية المغربية المتأصلة والمتفردة.

اترك رد