تمرينات الديمقراطية: من التمثيل إلى التشاور والتشارك ( الحلقة 1)


عبدالله الغمائد
أستاذ وطالب باحث بسلك الدكتوراه، تخصص قانون عام
جامعة إبن زهر أكادير

إن الديمقراطية تشبه في تطورها وتاريخها ما يقع في كل العلوم، حيث تشكل الأزمة مقتضى تاريخي للتحول والتجديد والتأسيس والإبداع، فلم يعد الخطأ شرا وشيطانا ملعونا، بل أمسى مكون جوهري لأي تطور وإبداع.

إن الديمقراطية دائما تخطئ، وفي سيرورتها تجابه الأخطاء وتصححها، فتاريخ الديمقراطية هي تاريخ أخطاء الديمقراطية قياسا على قولة غاستون بشلار حول منطق تطور المعرفة العلمية.

ما هي أشكال وأنواع الديمقراطية؟، وهل حاضر الديمقراطية أفضل من ماضيها؟ أليس المنزع الإغريقي أكثر شبابا من المنزع الديمقراطي المعاصر؟

منذ اليونان تشكل الوعي المجتمعي بأهمية الديمقراطية؛ فكانت الدولة المدينة عبارة عن مؤسسات حاوية للتشكلات الأولى لفكرة الديمقراطية، والتي تجسد بجلاء المنزع الإغريقي نحو الحرية والعدلة، فكانوا لهذه الغاية حريصين على قيمة الكلام والحوار والنقاش العمومي، ورغم السبق الإغريقي في هذا المجال، إلا أن الديمقراطية الأثينية الشابة كانت تقصي فئات إجتماعية مهمة باعتبارها لا تتوفر على شروط إبداء الرأي والمشاركة في القرار؛ نخص بالذكر النساء والعبيد، إذ لم تكن المشاركة مفتوحة أمام جميع السكان، فمن يحق له التصويت هو الرجل الإغريقي البالغ، ولا يحق مطلقا للعبد وللمرأة ممارسة الحقوق المدنية والسياسة كالتصويت مثلا، كما لا يحق ذلك لأي مواطن أجنبي، فاليونان كانونا يعتبرون الأجانب برابرة غير متحضرين، ومن تم لا يمكن إشراكهم في شؤون أثينا.

من هذا المنطلق ، يتضح أن الديمقراطية هي مجرد تمرينات وتحديات ورهان مجتمعي غير مكتمل، بل ولن يكون كذلك إلى الأبد، إنها مشروع تشكلات لا يتوقف.

شهدت المدن اليونانية إذن شكل من الديمقراطية التي لم تسلم من نواقص وعيوب، إذ تجاهلت كما قلنا حقوق فئات إجتماعية عريضة، فكان الحرص على تخويل السلطة للنخب الأثينية بداهة مطلقة، كانت أثينا تعد من أشهر مدن اليونان التي سادت فيها الديمقراطية المباشرة، وقد تجلت بوضوح في عهد ” كليشنيس” ( 580 ق م) إذ أوجد نظام حكم منح فيه لمواطني المدينة الحق في المشاركة في السلطة، لكن بعد تداعي سلطة أثينا إنهارت الديمقراطية، وعاد الطغيان إلى السلطة، فاتضح أن العوام فشلوا في الإدارة والحكم والسياسة، فلقبوا وقتئذ بالرعاع والعوام ( platon. socrate).

حاول صولون ( 560-460 ق م ) أن ينقد الديمقراطية الأثينة المتداعية، وباشر إصلاحات كثيرة على مستويات مختلفة، يتعلق الكثير منها بمجال الحقوق والحريات، فمنحت للمواطن مكنة من الحقوق والقوانين تؤهله للمشاركة في الحكم، وساهم بركليس ( 490-429 ق م ) بدوره في إنقاذ الديمقراطية الأثينة؛ حيث كان يمقت تلك القوانين التي تحد من الحقوق والحريات، وعرف مجال الحرية في عهده إتساعا وإمتدادا وصيانة وإزدهارا، فقد كانت حرية النقد والسخرية والرأي مكفولة إلى حد بعيد.

شكل النموذج الديمقراطي الأثيني إذن بداية مؤسسة للديمقراطية التمثيلية والتشاورية على سواء، فرغم ما شابه من عقم وقصور وعيوب كثيرة، لاسيما فيما يتعلق بالمواطنة والتعددية، إلإ أننا نرى فيها تمرينا أوليا للديمقراطية، وتأسيسا جوهريا لفلسفة حكم جديد، فلسفة تقطع مع الطغيان والإستبداد، وتحفز العقل السياسي البشري على التفكير في تمرينات جديدة لتجويد العمل الديمقراطي، وفي آليات لتقاسم السلطة والحكم، وللإنفلات من تغول التسلط والشمولية، و رهانا لحماية للحق في المشاركة والتعبير والفعل والكلام والبروز والتعدد.

لاشك بأن التأسيس الإغريقي للديموقراطية كان رائدا، وحجتنا في ذلك أن الأغورا كانت تشكل مركزا وفضاءا عموميا خلاقا بنواقصه وعيوبه وبساطته، فعلى الأقل كان الكلام متاحا للجميع، وكان النقاش عموميا مفتوحا وعقلانية يتعالى على الوثوقيات والمقدسات والمطلقات والممانعات.

اترك رد