“الحافلات” فضاءات عمومية للتأثير والتأثر


حميد صابر //

قد يتبادر الى الدهن منذ الوهلة الأولى أن الهدف الأول من استعمال الحافلة هو ذلك الثمن البخس نسبيا الذي يمكن بواسطته الاستفادة من خدمات هذه الوسيلة والاقتصاد في المصاريف اليومية، هذا شيء لايمكن نكرانه، ولكن بمجرد الصعود إلى وسيلة النقل هذه و التمعن في الفئات العمرية و المجتمعية المستعملة لها، تلاحظ بشكل جلي مدى التنوع الملحوظ, ليس فقط من حيث التقسيم السابق( العمري و الاجتماعي)، بل أيضا المستوى الفكري وهو في الأهم في اعتقادي، نظرا لكون أغلب مستعملي الحافلة ميالون إلى فتح نقاشات مشتركة حول مواضيح الحيواة اليومية، و في الغالب يكون موضوعا مشتركا بين أغلبية المسافرين كأفراد و كمواطنين بصفة عامة.

يمكن التممييز هنا بين مجموعة تكون سباقة إلى إثارة مواضيع للنقاش، هذه الفئة مع كامل الاحترام تتسم بمستوى دراسي أقل من المتوسط رغم كونها السباقة لفتح النقاشات داخل الفضاءات العمومية، يلتحق بحلقة النقاش هذه فئة ثانية محاولة تأييد رأي على اخر ، ويكون مستوى هذه الفئة متوسطا ولا بأس به. أما آخر فئة تلتحق بركب النقاش و الجدال فتكون من الطبقة المتعلمة أو لنقل “المثقفة”، تجد نفسها منخرطة طواعية في نقاش عالي المستوى يستعصي على باقي الركاب مسايرته و الإلمام بمجمل تفاصيله ليتركز النقاش و الإصغاء على مجموعة مع إقصاء تدريجي لباقي الفئات السباقة لفتح موضوع النقاش، مما يجبر الفئة الأولى السالفة الذكر و أمام عدم قدرتها في مسايرة النقاش إلى إثارة موضوع ثان لتنطلق عجلة النقاش معه من جديد و هكذا دواليك.

إن الفضاءات العمومية بشتى تلويناتها وتنويعاتها وانتماءاتها الطبقية، فضاءات خصبة للتأثير والتأثر وحشد الجماهير، والحدق فيها من يُلجم فاه ليكون سحابة مراقبة لما يجري، والجميل في ما سبق أن حلقات النقاش تُدار بشكل طبيعي وسلس ودونما الحاجة إلى تعصب وتشدد، الكل منفتح يناقش أفكار الآخر، والأجمل من ذلك كله طبيعة أو تيمة مواضيع النقاش التي تتعدد وتتنوع، فتجدهم يناقشون قضايا الاقتصا والسياسية والدين الاجتماع والحروب والأدب والفكر وحتى النكتةوالفكاهة والبسط.

الحافلات عوالم خفية، تحوي ما لا يمكن إدراكه بالعقل، ومجال خصب للدراسة والتدارس، خاصة وأنها تضم جميع أطياف المجتمع.

اترك رد