يُعَدّ مسلسل اشكون كان يقول من الأعمال التلفزيونية التي انطلقت من نواة درامية واضحة، إذ لم يبنِ عالمه على الصدفة، بل تأسس على جريمة تتشعب منها الأسرار وتتشابك حولها المصالح العائلية والمالية والاجتماعية. وقد منح هذا المدخل للعمل قوة أولية، حيث تحولت حادثة وفاة “عامر” إلى بوابة لكشف طبقات معقدة من العلاقات المتوترة والعنف الرمزي داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي.
منذ الحلقات الأولى، نجح المسلسل في تقديم شخصيات ملتبسة بعيدة عن التصنيف الأخلاقي المباشر. فالشخصيات لم تُكتب بوصفها خيّرة أو شريرة بشكل مطلق، بل ظهرت داخل مناطق رمادية تتداخل فيها الرغبات بالمخاوف، والانتقام بالحاجة إلى النجاة. هذا التعقيد منح العمل طابعاً إنسانياً وجعل متابعة تطور الأحداث أكثر تشويقاً، خاصة مع اعتماد أسلوب التأجيل التدريجي في كشف المعطيات.
كما استفاد العمل من تعدد الخيوط الدرامية، إذ لم تقتصر الحكاية على لغز الجريمة، بل امتدت إلى قضايا المال غير المشروع والابتزاز والهشاشة الاجتماعية والعلاقات الأسرية المتصدعة. وقد ساهم هذا التنوع في خلق عالم درامي غني حافظ، في مراحل عدة، على فضول المشاهد ورغبته في متابعة تطور الأحداث.
غير أن هذه القوة بدأت تتراجع مع تقدم الحلقات، حيث خضعت الكتابة أكثر لإكراه الثلاثين حلقة بدل منطق التطور الدرامي. فظهرت مشاهد لا تدفع الحدث بقدر ما تؤجله، وتكررت حوارات تعيد المعنى نفسه، ما أفرز تمطيطاً واضحاً أضعف الإيقاع العام وأثر على تماسك البناء.
ومن أبرز نقاط الضعف في المسلسل خط التحقيق الجنائي، الذي بدا في كثير من الأحيان قائماً على الاعترافات والمصادفات أكثر من البحث المنهجي. فالمعطيات الحاسمة ظهرت فجأة أو عبر شخصيات لم تقم بعمل تحقيقي مقنع، وهو ما أضعف منطق الكشف الدرامي، خاصة في المنعطفات التي شهدت اتهامات متتالية قبل إسقاطها بسهولة.
كما عانت بعض الشخصيات من تحولات سريعة لم تُدعّم بتدرج كافٍ، بينما بدت خطوط أخرى متذبذبة، خصوصاً تلك المرتبطة بالمرض أو الخلفيات الاجتماعية. وأدى ذلك إلى تفاوت واضح في قوة المسارات الدرامية، بين شخصيات حافظت على كثافتها وأخرى تراجعت بفعل التكرار أو القفز السريع في الأحداث.
وفي الخاتمة، اختار المسلسل كشف القاتل في منعطف يحمل بعداً تراجيدياً، غير أن هذا الحل جاء بعد مسار طويل من الاتهامات والالتفافات، ما جعل وقع النهاية أقرب إلى الحسم العاطفي منه إلى نتيجة تحقيق متماسك يعيد قراءة الأحداث السابقة.
ورغم هذه الأعطاب، نجح العمل في خلق علاقة متابعة حقيقية مع الجمهور، وقدم شخصيات ذات حضور واضح، كما فتح ملفات اجتماعية حساسة داخل قالب درامي مشوق. ويمكن القول إن المسلسل امتلك حكاية قوية وعالماً غنيّاً، لكنه فقد جزءاً من هذا الزخم بسبب التمطيط والاعتماد المفرط على المصادفات.
في المحصلة، يظل اشكون كان يقول عملاً مثيراً للاهتمام، نجح في بناء عالم درامي متعدد الطبقات، لكنه لم ينجح دائماً في الحفاظ على صرامة البناء والتحقيق، ما جعله مثالاً واضحاً على الفرق بين امتلاك قصة جيدة وبين تقديم معالجة درامية محكمة حتى النهاية.















