يحلّ الثامن عشر من أبريل من كل سنة، وهو اليوم العالمي للمعالم والمواقع الأثرية، مناسبة تحتفي فيها شعوب العالم بتراثها التاريخي والإنساني، وتستحضر خلالها قيمة المعالم التي تحفظ الذاكرة الجماعية وتربط الحاضر بالماضي. غير أن هذا الموعد، بالنسبة لمدينة القصر الكبير، لا يبدو يوماً للاحتفال بقدر ما يفرض وقفة تأمل ومساءلة أمام ما آلت إليه أوضاع عدد من معالمها التاريخية من إهمال وتدهور.
فمدينة القصر الكبير، التي تُعد من الحواضر المغربية العريقة، تزخر برصيد تاريخي وثقافي غني، يحمل بصمات حضارات متعاقبة وأسهم في صناعة جزء مهم من تاريخ المغرب. إلا أن هذا الموروث، المادي منه واللامادي، يواجه اليوم تحديات حقيقية تهدد استمراريته وتضعه أمام خطر الاندثار.
وتشير أصوات محلية مهتمة بالشأن الثقافي إلى أن أحياء عتيقة، من قبيل باب الواد والشريعة وأجزاء من المعسكر القديم ومدخل الخيالة، إلى جانب بنايات ذات رمزية تاريخية مثل قصر الباشا القديم ومواقع أخرى، تعيش أوضاعاً مقلقة بسبب غياب الترميم والصيانة، وتراجع الاهتمام الرسمي بهذا الإرث الذي يشكل جزءاً من هوية المدينة.
ويرى متابعون أن حماية هذا التراث لا ينبغي أن تبقى مجرد شعارات ظرفية ترتبط بالمناسبات الدولية، بل تستوجب رؤية واضحة وتدخلاً فعلياً يجمع بين السلطات المحلية والمؤسسات المختصة والمجتمع المدني، من أجل صيانة المعالم التاريخية وإعادة الاعتبار للمدينة العتيقة وضمان سلامة ساكنتها، خاصة في ظل ما يتهدد بعض المباني القديمة من أخطار الانهيار والتدهور العمراني.
وفي المقابل، تبرز مبادرات مدنية وثقافية تستحق التنويه، من بينها جهود جمعية البحث التاريخي بالقصر الكبير، التي تواصل عملها في توثيق ذاكرة المدينة والتعريف بتاريخها، إلى جانب إصدارات علمية وبحثية ساهمت في إحياء النقاش حول أهمية هذا الموروث وضرورة حمايته.
إن اليوم العالمي للمعالم والمواقع الأثرية يشكل فرصة حقيقية لمدينة القصر الكبير كي تعيد فتح ملف تراثها بجدية ومسؤولية، بعيداً عن الحسابات الضيقة والخلافات الهامشية، فالحفاظ على الذاكرة المشتركة مسؤولية جماعية، وصون تاريخ المدينة هو استثمار في مستقبلها الثقافي والسياحي والتنموي.
فهل يتحول هذا اليوم إلى نقطة انطلاق جديدة لإنقاذ ما تبقى من معالم القصر الكبير، أم يستمر نزيف الإهمال في صمت؟















