في قرار يحمل دلالات قانونية ومؤسساتية قوية، قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية خمسة فصول من القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، معتبرة أن هذه المقتضيات تمس مبادئ دستورية أساسية، في مقدمتها التوازن، والتعددية، والحياد، وضمانات المحاكمة العادلة داخل هيئات التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة.
ويتعلق الأمر، أولًا، بـ الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة، التي كانت تحصر مهمة إعداد التقرير السنوي للمجلس في عضوين فقط من فئة “الناشرين الحكماء”، وهو ما اعتبرته المحكمة إخلالًا بمبدأ المشاركة الجماعية والتمثيلية المتوازنة داخل مؤسسة يُفترض أن تقوم على إشراك مختلف مكوناتها المهنية.
كما أسقطت المحكمة البند (ب) من المادة الخامسة، الذي كان يمنح فئة الناشرين تسعة مقاعد داخل المجلس مقابل سبعة فقط للصحافيين المهنيين، معتبرة أن هذا التفاوت يُخلّ بمبدأ التوازن بين مكونات الجسم الصحفي، ولا ينسجم مع الأسس الديمقراطية التي يجب أن تؤطر التنظيم الذاتي للمهنة.
وفي السياق ذاته، قضت المحكمة بعدم دستورية المادة 49 كاملة، التي كانت تتيح للمنظمة المهنية للناشرين الحاصلة على أكبر عدد من الحصص التمثيلية الاستحواذ على جميع المقاعد المخصصة لهذه الفئة، وهو ما رأت فيه المحكمة مساسًا صريحًا بمبدأ التعددية التمثيلية وفتحًا لباب الاحتكار داخل مؤسسة يفترض أن تعكس تنوع المشهد الإعلامي.
وشمل قرار الإسقاط كذلك الفقرة الأولى من المادة 57، التي تشترط أن يكون رئيس المجلس ونائبه من جنسين مختلفين، حيث اعتبرت المحكمة أن هذا المقتضى، رغم وجاهة مقصده، يفتقر إلى الانسجام التشريعي مع باقي مواد القانون، ولا يستند إلى ضمانات عملية تُمكِّن من تطبيقه بشكل فعلي، خاصة في ما يتعلق بتمثيلية النساء داخل فئة الناشرين.
أما المادة 93، فقد اعتبرتها المحكمة غير دستورية بسبب إشراك رئيس لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية—وهي هيئة تبت ابتدائيًا في الملفات التأديبية—ضمن تشكيلة لجنة الاستئناف، ما يُخلّ بمبدأ الحياد واستقلال درجات التقاضي، ويضعف ضمانات المحاكمة العادلة داخل المجلس.
ويؤكد هذا القرار، في مجمله، الدور الدستوري للمحكمة في حماية سمو الدستور وضمان عدم انحراف القوانين التنظيمية عن مبادئ العدالة والتوازن والديمقراطية، كما يضع السلطة التشريعية أمام مسؤولية مراجعة هذه المقتضيات بما يضمن مجلسًا وطنيًا للصحافة مستقلًا، تعدديًا، وقادرًا على أداء مهامه بعيدًا عن منطق الهيمنة أو الإقصاء.
بقلم: حاتم واجير















