بن سليمان – من قلب المدينة
في مشهد بات مألوفًا لدى ساكنة مدينة بن سليمان، التُقطت صورة حديثة بعدسة هاتف محمول بالقرب من المحكمة الابتدائية، لتختزل واقعًا مريرًا تعيشه المدينة منذ سنوات: فوضى عمرانية، عشوائية في التنظيم، تفكك واضح في تدبير المرافق، وتناقضات صارخة تكشف هشاشة البنية الحضرية وانعدام الرؤية لدى المسؤولين المحليين.
عند تأمل هذه الصورة، قد يشد الانتباه منظر النفايات المتراكمة، أو علامة المرور المقلوبة التي تحولت إلى ما يشبه “صحن بُربول”، أو حتى السيارات المركونة فوق الأرصفة، مما يدفع المارة إلى المخاطرة بحياتهم والسير وسط الطريق في مشهد عبثي أصبح جزءًا من الحياة اليومية. لكن خلف هذه التفاصيل، تظهر إشكالية أعمق تتعلق بتدبير قطاع النظافة بالمدينة، وهو أحد الملفات التي تعكس حجم التسيّب وغياب الحكامة الجيدة.
“أوزون” تسيطر.. و”أفيردا” تتسلل
رغم المحاولات المحتشمة لتغيير واقع النظافة، لا تزال شركة “أوزون” تحتل المشهد في أغلب أحياء المدينة، خصوصًا الهامشية والفقيرة، من خلال حاوياتها المنتشرة بكثافة، في وقت بدأت فيه شركة “أفيردا” – التي وضعت حاويات مستعملة في بعض النقاط – بالظهور في الشوارع الرئيسية والأحياء المصنفة “راقية”.
هذا التوزيع يثير تساؤلات عديدة حول معايير توزيع الحاويات ونقاط التجميع، ويطرح علامات استفهام حول الصفقات والتفاهمات التي تحكم علاقة الجماعة بهذه الشركات. فهل هو مجرد تقاسم للأدوار؟ أم أن الأمر يُخفي تواطؤات محتملة تستفيد من غياب المراقبة والمحاسبة؟
المجلس الجماعي في قفص الاتهام
لا يمكن فصل هذا المشهد عن أداء المجلس الجماعي، الذي يُتهم بالفشل في تسيير المدينة، وعدم قدرته على بلورة سياسة واضحة في مجال تدبير النظافة والمجال الحضري عمومًا. فالوضعية البيئية المتردية، وانتشار مظاهر التسيب، ليست سوى نتيجة مباشرة لسياسات مرتجلة، وتراكم للامبالاة وسوء الحكامة.
عدد من الفاعلين المحليين يرون أن بن سليمان تعيش نوعًا من الإقصاء الممنهج، سواء على مستوى البنية التحتية أو الخدمات الأساسية، مقابل استمرار الخطاب الرسمي في الحديث عن تنمية “وهمية” لا يلمس المواطن أثرها في واقعه اليومي.
مدينة على هامش التنمية
بن سليمان، رغم موقعها الاستراتيجي بين الدار البيضاء والرباط، ورغم مؤهلاتها الطبيعية والسياحية، ما تزال تغرق في دوامة من العشوائية والتناقضات. مدينة لا يعلو فيها صوت على صوت الفوضى، حيث يختلط تدبير النفايات بسياسة الإقصاء، وتُستعمل الأرصفة كمواقف للسيارات، وتُترك المؤسسات العمومية محاطة بالأزبال، دون أن يرف جفن للمسؤولين.
هي مدينة تبحث عن منقذ، عن رؤية حضرية واضحة، وعن إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار لما تبقى من كرامة ساكنتها، قبل أن تُصبح “نفايات التسيير” أكثر خطورة من النفايات المنزلية.















