تُعدّ السدود من أهم ركائز السياسة المائية، إذ أُنشئت أساسًا لتأمين الماء الصالح للشرب، ودعم الفلاحة، والحد من آثار الجفاف والفيضانات. غير أن الواقع الميداني في عدد من المناطق يكشف مفارقة مقلقة: منشآت وُجدت للحماية أصبحت في بعض الأحيان مصدر تهديد مباشر للسكان والممتلكات.
هذا التحول لا يرتبط فقط بقوة التساقطات أو بتغير المناخ، بل يكشف أساسًا عن أعطاب بنيوية في منظومة التدبير. فمع كل موجة أمطار قوية، تتجدد الأسئلة حول جاهزية السدود، فعالية أنظمة المراقبة، سرعة اتخاذ القرار، ومدى احترام معايير السلامة. وغالبًا ما تظهر هذه الأسئلة بعد وقوع الضرر، لا قبله.
أول مظاهر الخلل يتمثل في ضعف الاستباق. فالتدبير الحديث للسدود يفرض الاعتماد على نماذج توقع دقيقة، وتفريغًا وقائيًا مدروسًا، وتنسيقًا دائمًا بين مصالح المياه، الأرصاد الجوية، والسلطات الترابية. غير أن ما يُلاحظ في عدد من الحالات هو تأخر القرارات الحاسمة، أو اتخاذها في اللحظات الأخيرة، ما يضاعف حجم المخاطر على المناطق الواقعة أسفل السدود.
ثانيًا، تطرح مسألة الشفافية نفسها بإلحاح. فالمواطن لا يتوفر في الغالب على معطيات واضحة حول نسب ملء السدود، ولا حول سيناريوهات الخطر المحتملة. هذا الغياب للمعلومة يحرم السكان من حقهم في الاستعداد، ويحوّلهم إلى ضحايا محتملين لقرارات تُتخذ في دوائر مغلقة. في الدول التي قطعت أشواطًا في هذا المجال، تُنشر هذه البيانات بشكل دوري، وتُفعّل أنظمة إنذار مبكر تصل مباشرة إلى السكان.
ثالثًا، تبرز إشكالية صيانة البنيات التحتية. فالسد ليس منشأة تُبنى ثم تُترك لعقود دون مراقبة صارمة. التراكمات الطينية، تآكل بعض المكونات، وضعف قنوات التصريف قد يحوّل أي ارتفاع مفاجئ في منسوب المياه إلى وضع حرج. وهنا يطرح سؤال الميزانيات المرصودة للصيانة، ومدى إخضاعها لافتحاص مستقل.
الأخطر من ذلك أن الكوارث المرتبطة بالسدود، حين تقع، نادرًا ما تُقابل بمحاسبة واضحة. تُشكَّل لجان، تُحرَّر تقارير، ثم يُطوى الملف دون ترتيب مسؤوليات سياسية أو إدارية. هذا الإفلات من المحاسبة يكرّس ثقافة الإهمال، ويجعل تكرار المآسي مسألة وقت لا أكثر.
إن التغيرات المناخية جعلت الظواهر المتطرفة واقعًا دائمًا، وهو ما يفرض الانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى حكامة مائية حديثة، قوامها الاستباق، الشفافية، إشراك المواطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالسدود يجب أن تبقى مخزونًا للأمان المائي، لا قنابل مؤجلة فوق رؤوس السكان.
وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل نتعامل مع السدود كأرقام في تقارير رسمية، أم كمنشآت تمس بشكل مباشر الحق في الحياة؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد ما إذا كانت هذه البنيات ستظل أداة للتنمية، أم ستتحول، مع كل موسم أمطار، إلى تهديد كارثي متجدد. بقلم حاتم واجير















