في شمال المغرب، عند سفح جبل موسى وبالقرب من سبتة المحتلة، تقبع **قرية البيوت** بجماعة تاغرامت (إقليم الفحص–أنجرة) شاهدة على تاريخ نضالي مجيد، لكنه اليوم مهدد بالنسيان. قرية لعبت أدواراً استراتيجية في مقاومة الاحتلال الأجنبي، تحولت في الزمن الحاضر إلى نموذج صارخ للتهميش والإقصاء التنموي.
## رباط الجهاد وموقع النار الأولى
لم تكن قرية البيوت تجمعاً سكنياً عادياً، بل كانت **رباطاً للمجاهدين** منذ احتلال البرتغاليين لسبتة سنة 1415م، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي الذي يشرف على الممرات العسكرية والبحرية الحساسة. هذا الموقع جعل منها نقطة مراقبة ودفاع متقدمة، وقلعة صامدة في وجه الأطماع الاستعمارية.
وخلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لعبت البيوت دوراً محورياً في مواجهة التوسع الإسباني، خصوصاً خلال حملتي 1859 و1911، حيث تحولت إلى قاعدة خلفية للمقاومة وتنظيم المجاهدين.
## حين نزل القادة واشتعلت المعارك
سنة 1859، نزل بالقرية **المولى العباس**، شقيق السلطان محمد الرابع، واتخذ منها مقراً لقيادة المقاومة ضد الغزو الإسباني، وهو ما يعكس القيمة العسكرية والسياسية التي كانت تحظى بها القرية.
أما سنة 1916، فقد شهدت المنطقة **معركة البيوت** الشهيرة، حيث دارت مواجهات عنيفة بين المجاهدين والقوات الإسبانية، أبان فيها أبناء المنطقة عن مقاومة شرسة أربكت الاحتلال. ولم تتمكن القوات الإسبانية من السيطرة على القرية إلا بعد الاستعانة بالشريف الريسوني، في سياق معقد من الضغوط والتحالفات.
## ذاكرة مقاومة تُحيى… دون إنصاف
ورغم أن ذكرى معركة البيوت تُخلَّد سنوياً في **29 يونيو**، إلا أن هذا الإحياء يظل رمزياً، لا يواكبه أي اعتراف فعلي أو رد اعتبار تنموي. فلا معلمة تاريخية تؤرخ للمقاومة، ولا متحف محلي، ولا حتى لوحات تعريفية تشرح للزائر أو للجيل الصاعد أهمية هذا الموقع.
واقع اليوم: إهمال وتهميش
اليوم، تعاني قرية البيوت من:
* ضعف البنية التحتية
* هشاشة الخدمات الأساسية
* غياب مشاريع تنموية مستدامة
* تراجع ديمغرافي وهجرة الشباب
وهو وضع يتناقض بشكل صارخ مع ما تختزنه القرية من رصيد تاريخي وطبيعي، خاصة مع ما تزخر به من غابات الصنوبر والبلوط الفليني، وقربها من جبل موسى، ما يؤهلها لتكون قطباً للسياحة التاريخية والإيكولوجية.
## من المسؤول عن تغييب الذاكرة؟
إن ما آلت إليه قرية البيوت يطرح علامات استفهام حول دور:
* المؤسسات المنتخبة
* القطاعات الحكومية المعنية بالثقافة والتراث
* السياسات العمومية في تثمين تاريخ المقاومة
فكيف يُعقل أن تُهمَّش قرية ساهمت في الدفاع عن السيادة الوطنية، بينما تُرفع شعارات رد الاعتبار للذاكرة التاريخية في مناسبات رسمية؟
صرخة من أجل رد الاعتبار
إن إنصاف قرية البيوت ليس مطلباً محلياً ضيقاً، بل هو **واجب وطني**، يمر عبر:
* توثيق تاريخها النضالي
* إنشاء فضاءات للذاكرة
* إدماجها في برامج التنمية والسياحة الثقافية
فالبيوت لم تكن يوماً على هامش التاريخ، ولا يجب أن تبقى اليوم على هامش التنمية. إن تجاهل ذاكرة المقاومة هو في حد ذاته شكل من أشكال الإهمال الذي لا يليق بتاريخ المغرب ولا بتضحيات رجاله.















